عشية ​الانتخابات النصفية​ الأميركية، لا تنحصر الأسئلة ال​لبنان​ية في هوية الفائز بالأكثرية داخل ​الكونغرس​، وإنما تمتد إلى التأثيرات المحتملة للنتيجة في الملفات التي تضغط على لبنان. فواشنطن حاضرة في التفاوض مع ​إسرائيل​، وفي دعم الجيش، وفي العقوبات، وفي إدارة المواجهة مع ​إيران​. ومن الطبيعي، بالتالي، أن يراقب اللبنانيون استحقاقًا قد يعيد توزيع القوة في العاصمة الأكثر تأثيرًا في هذه الملفات.

لكن المسافة كبيرة بين متابعة الانتخابات وانتظارها بوصفها موعدًا لانقلاب السياسة الأميركية. ففي لبنان، اعتادت القوى السياسية البحث في الاستحقاقات الخارجية عن فرص لتحسين مواقعها، أو أسباب لتأجيل خياراتها. وقد يتحول احتمال خسارة الجمهوريين الأكثرية إلى مصدر اطمئنان لدى من ينتظر تراجع الضغط الأميركي، أو إلى مصدر قلق لدى من يربط فرص التسوية بقدرة دونالد ترمب على فرضها.

لذلك، يتجاوز السؤال ما إذا كان ترمب سيخرج أضعف من اقتراع الثالث من تشرين الثاني، إلى طبيعة هذا الضعف ومجالاته، فيما تتصاعد المخاوف اللبنانية من مواجهة جديدة: فهل يتبدل هامشه في الشرق الأوسط بالقدر نفسه الذي يتبدل به هامشه الداخلي؟ وأين يقع لبنان داخل الخلافات الأميركية؟ ثم هل يملك اللبنانيون تصورًا للاستفادة من أي تحول محتمل، أم يضيفون محطة انتظار جديدة إلى محطاتهم السابقة؟

ماذا تعني خسارة الأكثرية؟

بداية، لا تعني خسارة الحزب الجمهوري مجلس النواب أو مجلس الشيوخ انتقال السلطة التنفيذية إلى الديمقراطيين. فمهما كانت نتيجة الانتخابات، سيبقى ترمب رئيسًا، وستبقى إدارته مسؤولة عن إدارة الدبلوماسية والمفاوضات والعلاقات مع الحكومات. لكن الكونغرس يستطيع التأثير عبر التشريع والتمويل والرقابة، في حين يملك مجلس الشيوخ صلاحيات إضافية في إقرار التعيينات والموافقة على المعاهدات. وتتوقف قوة هذه الأدوات على نتيجة كل مجلس، وحجم الأكثرية، وقدرتها على التماسك.

يعني ذلك أن أكثرية معارضة تستطيع رفع كلفة بعض الخيارات، ومساءلة الإدارة عن نتائجها، وإخضاع طلباتها المالية لمفاوضات أشد. غير أن الانتقال من امتلاك أدوات الاعتراض إلى فرض سياسة بديلة يحتاج إلى أكثر من الفوز الانتخابي. فتمرير التشريعات يصطدم بتوازن المجلسين وبصلاحية الرئيس في الاعتراض، فيما يحتاج تجاوز اعتراضه إلى أكثرية موصوفة. وحتى التوافق على رفض نهج معين لا ينتج تلقائيًا توافقًا على البديل.

بالنسبة إلى لبنان، يفرض ذلك التمييز بين الملفات. فقد تتأثر المساعدات وشروطها بالنقاش داخل الكونغرس، فيما تظل إدارة الوساطة والاتصالات اليومية في يد السلطة التنفيذية. وقد تتزايد الرقابة على سياسة إقليمية من دون أن يتغير فورًا سلوك الموفدين الأميركيين. لذلك، فإن افتراض انحسار الضغط على بيروت بمجرد تبدل الأكثرية يختصر مسارًا معقدًا في نتيجة انتخابية واحدة، ويتجاهل أن تعطيل قرار أسهل أحيانًا من بناء تسوية.

أين يقع الخلاف الأميركي على لبنان؟

لا تقل أهمية عن الصلاحيات طبيعة الخلاف نفسه. فالتنافس الحاد بين الجمهوريين والديمقراطيين لا يجعل كل ملف خارجي موضوع انقسام متماثل. ثمة خلافات على إدارة العلاقة مع إسرائيل، واستخدام القوة، والمساعدات، وحدود صلاحيات الرئيس، لكن إسقاطها مباشرة على لبنان قد لا يكون دقيقًا. وهنا، لا بدّ من التمييز بين معارضة ترمب، ومعارضة وسائله، ورفض الأهداف التي يسعى إليها في ملف محدد.

ومن الأمثلة الدالة مشروع القانون الذي قدمه الجمهوري جيمس لانكفورد والديمقراطية جين شاهين بشأن لبنان. فقد جمع دعم مؤسسات الدولة والمساعدة الأمنية مع العقوبات المستهدفة وحصر القوة بيد الدولة ونزع سلاح "حزب الله". وهو مشروع مقترح، وليس قانونًا نافذًا، لكنه يقدم مثالًا على تقاطع مواقف شخصيات من الحزبين في عناوين لبنانية أساسية. وبالتالي، يصعب التعامل مع أكثرية ديمقراطية محتملة باعتبارها نقيضًا تلقائيًا للضغط القائم في هذه الملفات.

في المقابل، لا يعني ذلك التطابق الكامل أو انعدام فرص التأثير. فقد يختلف أعضاء الكونغرس في تقييم الاعتداءات الإسرائيلية، وجدوى العقوبات، وشروط مساعدة الجيش، وأولوية الاستقرار اللبناني. وهذه فروق يمكن أن تنتج نتائج ملموسة إذا تحولت إلى مواقف وتشريعات واعتمادات. لكن الاستفادة منها تفترض تحديد القضية المطلوبة: حماية المساعدات، أو مساءلة سياسة معينة، أو دعم مطلب لبناني واضح، بدل الاكتفاء بانتظار أن يحل خصوم ترمب مشكلة لبنان معه.

الانتخابات لا تنتج تسوية جاهزة

إذا كانت أدوات الكونغرس وحدود التوافق فيه تفسران جانبًا من المشهد، فإن حسابات الرئيس تفسر جانبًا آخر. فقد تدفعه خسارة الأكثرية إلى البحث عن إنجاز خارجي يعوض تعثر أجندته الداخلية. وقد تجعله أكثر تشددًا لإثبات أنه لم يفقد القدرة على المبادرة. كلا الاحتمالين قراءة سياسية ممكنة، ولا يمكن اعتماد أحدهما نتيجة حتمية قبل معرفة حجم الخسارة، إن حصلت، وطريقة تفاعل الإدارة معها.

لهذا السبب، لا يمكن الجزم بأن ترمب الأضعف سيصبح أكثر استعدادًا للتسوية مع إيران، أو أكثر ميلًا إلى الضغط على إسرائيل. فالرغبة في إعلان إنجاز قد تسرّع التفاوض، لكنها قد تدفع أيضًا إلى مطالبة الطرف الأضعف بتنازلات أسرع. وحتى إذا تحركت تسوية إقليمية، تبقى طبيعة موقع لبنان فيها مسألة تفاوضية: هل تُعالج مطالبه تحديدًا، أم يُطلب منه التكيف مع أولويات اتفاق أوسع؟

ويضاف إلى ذلك عامل الوقت. فالنتيجة الانتخابية لا تتحول في صباح اليوم التالي إلى قرارات وتمويل وسياسة جديدة، علمًا أن الكونغرس المنتخب يبدأ عمله في كانون الثاني المقبل. أما لبنان، فتستمر خلال هذه الفترة ضغوطه الأمنية والاقتصادية والتفاوضية. ولذلك، فإن تحويل الاقتراع إلى مبرر لتجميد المبادرة يعني دفع كلفة فورية في مقابل مكسب محتمل، من دون ضمان أن يكون الملف اللبناني بين أولويات الأكثرية الجديدة.

ماذا يفعل لبنان بالنتيجة؟

الاستنتاج العملي ليس تجاهل الانتخابات، وإنما تغيير طريقة التعامل معها. فلبنان يحتاج إلى تحديد مصالحه قبل أن يعرف الفائز: وقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي، وتعزيز قدرة الجيش، وحماية مؤسسات الدولة، ومنع تحويل أراضيه إلى ساحة مواجهة إقليمية. ويسمح وضوح هذه المطالب بقياس المواقف الأميركية على أساسها، بدل تفسير كل إشارة وفق قرب صاحبها من هذا الحزب أو ذاك.

ويحتاج لبنان كذلك إلى مخاطبة مراكز القرار المختلفة بقضايا محددة وقابلة للمتابعة. فالعلاقة مع الإدارة الأميركية لا تغني عن التواصل مع الكونغرس، والعلاقة مع أعضاء مؤيدين للبنان لا تعوض غياب موقف رسمي متماسك. وكلما تعددت الرسائل اللبنانية المتناقضة، أصبح أسهل على الخارج اختيار الرسالة التي تلائم أولوياته، وتحويل الانقسام الداخلي إلى مبرر لتأجيل الاستجابة أو تشديد الشروط.

قد تغير الانتخابات النصفية في ​الولايات المتحدة​ ميزان القوة في واشنطن، وتفتح فرصًا أو تضع عقبات جديدة. لكنها لا تمنح لبنان تلقائيًا سياسة أميركية أقرب إلى مصالحه. والفارق يصنعه ما يحمله اللبنانيون إلى المشهد الجديد من موقف ومطالب وقدرة على المتابعة. أما انتظار تبدل الكونغرس باعتباره تسوية مؤجلة، فقد يستهلك وقتًا إضافيًا من دون أن يضمن وقف اعتداء أو انسحابًا إسرائيليًا أو تحسنًا في شروط التفاوض.